محمد بن جرير الطبري
45
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الذي كان عليه تراب ، فأصابه الوابل من المطر ، فذهب بما عليه من التراب ، فتركه نقيا لا تراب عليه ولا شيء يراهم المسلمون في الظاهر أن لهم أعمالا كما يرى التراب على هذا الصفوان بما يراءونهم به ، فإذا كان يوم القيامة وصاروا إلى الله اضمحل ذلك كله ، لأَنه لم يكن لله كما ذهب الوابل من المطر بما كان على الصفوان من التراب ، فتركه أملس لا شيء عليه ، فذلك قوله : لا يقدرون ، يعني به الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، يقول : لا يقدرون يوم القيامة على ثواب شيء مما كسبوا في الدنيا ، لأَنهم لم يعملوا لمعادهم ولا لطلب ما عند الله في الآخرة ، ولكنهم عملوه رئاء الناس وطلب حمدهم ، وإنما حظهم من أعمالهم ما أرادوه وطلبوه بها . ثم أخبر تعالى ذكره أنه لا يهدي القوم الكافرين ، يقول : لا يسددهم لإِصابة الحق في نفقاتهم وغيرها فيوفقهم لها ، وهم للباطل عليها مؤثرون ، ولكنه تركهم في ضلالتهم يعمهون ، فقال تعالى ذكره للمؤمنين : لا تكونوا كالمنافقين الذين هذا المثل صفة أعمالهم ، فتبطلوا أجور صدقاتكم بمنكم على من تصدقتم بها عليه وأذاكم لهم ، كما أبطل أجر نفقة المنافق الذي أنفق ماله رئاء الناس ، وهو غير مؤمن بالله واليوم الآخر عند الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى فقرأ حتى بلغ : عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا فهذا مثل ضربه الله لأَعمال الكفار يوم القيامة يقول : لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذ ، كما ترك هذا المطر الصفاة الحجر ليس عليه شيء أنقى ما كان . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ إلى قوله : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ هذا مثل ضربه الله لأَعمال الكافرين يوم القيامة ، يقول : لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذ ، كما ترك هذا المطر الصفا نقيا لا شيء عليه . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى إلى قوله : عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا أما الصفوان الذي عليه تراب فأصابه المطر ، فذهب ترابه فتركه صلدا ، فكذا هذا الذي ينفق ماله رياء الناس ذهب الرياء بنفقته ، كما ذهب هذا المطر بتراب هذا الصفا فتركه نقيا ، فكذلك تركه الرياء لا يقدر على شيء مما قدم ؛ فقال للمؤمنين : لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى فتبطل كما بطلت صدقة الرياء . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك ، قال : أن لا ينفق الرجل ماله ، خير من أن ينفقه ثم يتبعه منا وأذى . فضرب الله مثله كمثل كافر أنفق ماله لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ، فضرب الله مثلهما جميعا كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً فكذلك من أنفق ماله ثم أتبعه منا وأذى . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثنى أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى إلى : كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً ليس عليه شيء ، وكذلك المنافق يوم القيامة لا يقدر على شيء مما كسب . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج في قوله : لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى قال : يمن بصدقته ويؤذيه فيها حتى يبطلها . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً فقرأ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى حتى بلغ : لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ثم قال : أترى الوابل يدع من التراب على الصفوان شيئا ؟ فكذلك منك وأذاك لم يدع مما أنفقت شيئا . وقرأ قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى وقرأ :